من يتمعن مليا في ثورات الربيع الديمقراطي التي بدأت في مطلع العام 2010 والتي انطلقت شرارتها من تونس لتنتقل إلى مصر ثم ليبيا ثم اليمن ثم سورية الآن ،

قد يتأكد وبلا أدنى شك أن حلم الربيع الديمقراطي الذي علقت عليه الشعوب العربية آمالها قد فشلنعم لا أحد ينكر أن الثورات الديمقراطية قد انطلقت وأن بعضها استطاع أن يتخلص من أنظمتها الديكتاتورية لكن في المقابل لم تنجح ولم تستطع الحفاظ على ذلك المكسب الذي حققته الثورة وبالتالي فشلت في إدارة مرحلة ما بعد الثورة ليطرح سؤال جوهري هل فشلت كل ثورات الربيع الديمقراطي ؟هل تبخرت أحلام الشعوب العربية وتكسرت آمالهم على صخرة صماء؟


ما تشهده الدول التي عرفت ثورات الآن يجعلنا نعتقد وبكل آسف أن الثورات التي كنا نعتقد أنها ستغير من وجه العالم العربي وتعيد حلم شعوبه، تبينت في النهاية أنها لم تكن كذلك وأنها كانت مجرد مغامرة غير محسوبة أقدمت عليها الشعوب دون أن تعرف تداعياتها .

إن المتتبع لكرونولوجية الأحداث لما يقع الآن في دول الربيع الديمقراطي سيتبادر إلى ذهنه سؤال أمامه علامة استفهام ضخمة هل أخطأت ثورات الربيع الديمقراطي الهدف ؟

ما نراه الآن في مصر من احتجاجات يمكن أن يؤكد وبشكل كبير أن الثورات لم تصب الهدف ،فالمشكل ليس في الثورة كمشروع شعبي يراد من خلاله التحرير من الديكتاتورية والظلم ،بل المشكل يكمن في الشعوب العربية التي لم تستطع أن تخرج من هذا الصراع منتصرة حيث عجزت عن الحفاظ عن هذه الثورات وعن أهدافها المعلنة وحماية مبدأ الديمقراطية الذي من أجله انطلقت هذه الشرارة.

إذا كانت مصر قد أعطت درسا للعالم في كيفية التغيير وضربت مثالا صارخا في الديمقراطية فإنها بالمقابل لم تستطع أن تستكمل مسلسل هذا التغيير والإصلاح، فالثورة التي جاءت لتقيم العدالة والديمقراطية هي الآن تجحد  بالديمقراطية ،وتحاول الانقلاب على الشرعية ،فالرئيس الذي اختاره الشعب المصري بطريقة شفافة شهد العالم على نزاهتها هو الآن مهدد بالسقوط بدعوى الديكتاتورية،وأن الثوار الذين وقفوا ضد الظلم وقدموا أرواحهم في سبيل أن تنعم مصر بالحرية هم الآن يقفون ضد الثورة ،لا نعلم حقيقة ماذا يعني هؤلاء بالثورة؟

بعيدا عن مصر وعن ثورتها التي هي الآن في خطر ،يمكن لنا أن نعطي مثالا من ليبيا التي ضحى أبناءها بالغالي والنفيس ودفعوا أرواحهم من أجل أن تصبح ليبيا حرة ،كانت ثورتهم قد فشلت وإن كانت بشكل أقل من مصر التي تعرف احتقانا ربما قد يؤدي إلى فتنة لا تحمد عقباها ،فثورة ليبيا التي خلصت الشعب من ديكتاتور بطش بشعبه والذي أبى أن يغادرالسلطة إلا بموت جعله يدخل مزبلة التاريخ من أوسع أبوابها لم تكن عند تطلعات الشعب الليبي ،فليبيا إلى حد الآن لا زالت تعرف أوضاعا مقلقة ،فلا الأمن قد تحقق ولا الاستقرار قد تم ،ولا حتى المصالحة قد تحققت بين الثوار أنفسهم .لتبقى أهداف الشعب الليبي من الثورة معلقة إلى أجل غير مسمى .

أما تونس التي انطلقت منها شرارة الثورات والتي كانت بمثابة الدولة التي صدرت رياح الثورات إلى العالم العربي فهي الأخرى لا زالت تعاني من عدم الاستقرار  الذي يخيم على تونس منذ سقوط نظام بن علي الذي لم يترك للتونسيين سوى الأحزان ، فالاحتجاجات لا زالت هي سيد الموقف ،والحديث عن نجاح الثورة هو أصبح حديثا قديما وقصة مشروخة يراد من خلالها تصوير الثورة على أنها قد حققت أهدافها ،فما يحدث الآن يثبت عكس ما ترويه الرواية الرسمية .

في اليمن التي كانت ثورتها أشبه نوع ما بثورة تونس بالرغم من أن هناك اختلاف بينهما ،فلا أحد ينكر أن الحراك الشعبي استطاع الإطاحة بنظام عبد الله صالح لكن بالرغم من ذلك فالثورة التي كان عموم الشعب اليمني ينتظرها على أحر من الجمر إلى حدود الآن لم تحقق مكاسب الشعب التي من أجلها انطلقت الثورة ،فأوضاع المواطن اليمني لم تتغير بل ازدادت سوءا بعد الثورة .أما الثورة السورية التي بدأت وأبت أن تنتهي فلا زال الشعب السوري يدفع ثمن إشعالها ،ولا زال النظام يبطش به بكل ما لديه من قوة في سبيل عرش هو يضحي الآن بالشعب ويحرق البلد من أجله.

فالثورات الديمقراطية انطلقت والشعوب، استطاعت التخلص من الأنظمة الديكتاتورية لكن المشكلة تكمن في مرحلة ما بعد هذه الثورات، التي كنا نأمل منها أن تأتي بجديد وتعيد رسم خارطة  هذه الدول التي اشتعلت فيها شرارة الثورات ،فالبعض من هذه الدول بالرغم من أنها نجحت في خلق تغيير وإزاحة أنظمة ديكتاتورية إلا أنها لم تستطع القضاء على فلوله وزبانيته التي لا زالت تكيد للثورة وتحاول إجهاضها كما هو الشأن في مصر التي تعيش أزمة خانقة بسبب هؤلاء الذين لم يستسيغوا نتائج الديمقراطية ولم يقبلوا بقواعد اللعبة السياسية ،وهم الآن يطالبون بإسقاط النظام الجديد،نفس الشيء بالنسبة لليبيا وتونس ثم اليمن

لن تنجح الثورات ولن تحقق أهدافها كيفما كانت مادام أن أعداء الثورة بالأمس ومن كانوا يطبلون للنظام هم الآن بين أحضان الثوار،يحاولون إرباك النظام الجديد ،بل والعمل على إسقاطه إذا أتيحت لهم الفرصة ،ربما كان من الممكن للثورات الديمقراطية أن تنجح لو أنها عملت على تطهير بلدانها من هؤلاء الفلول وأذناب الديكتاتورية الذين لا زالوا يدافعون عن أسيادهم الذين رمى بهم الزمان إلى مزابل التاريخ.