ذكرت الصحافة الفرنسية أخيرا أن قادة الدول العربية يعتزمون وضع الرئيس أوباما أمام هذا الخيار: إما أن يحمل إسرائيل، بداية من العام القادم،

على التفاوض بشأن السلام وإقامة دولة فلسطينية على أساس حدود 1967، وإلا فإن الدول العربية ستقلص من علاقاتها مع الولايات المتحدة! ويتمثل هذا التقليص في تجميد عمليات استيراد الأسلحة وإغلاق القواعد العسكرية الأمريكية، والامتناع عن قبول المساعدات من واشنطن. بل إن الأمر قد يبلغ حد رفض استمرار التدخل الأمريكي في شؤون المنطقة العربية..!


كلام من العيار الثقيل. لم تتعوده الأذن العربية. كلام لا يمكن لأي عربي أن يجده قابلا للتصديق إلا بمقدار. وإلا بعد محاولة واجتهاد. إذ لم نسمع ما يشبهه قليلا إلا في أعقاب أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001، وبالتحديد أوائل عام 2002. وكان ذلك عندما استاءت الرياض من ضراوة الحملة السياسية والإعلامية الأمريكية ضد السعودية (التي بلغت حد المناداة بمهاجمة مكة بالسلاح النووي)، فأطلقت إشارات عبر ما تبقى لها من أصدقاء في واشنطن ونيويورك بأنها مستعدة لمراجعة علاقاتها مع الولايات المتحدة. ولكن ما إن بدأت التساؤلات تتركز حول مدى إمكان استخدام سلاح النفط حتى أدلى الأمير الوليد بن طلال بتصريح تلفزيوني سفّه فيه الفكرة تسفيها، قائلا إنها غير ذات موضوع لأن 'النفط سلعة وما هو بسلاح'.
بعيد ذلك حظي معلق نيويورك تايمز توماس فريدمان بلقاء مطول مع الملك عبد الله خرج منه معلنا أن لدى السعودية مبادرة للسلام مع إسرائيل. وسرعان ما تم اعتماد هذه المبادرة في قمة بيروت لتتحول إلى خطة سلام عربية رسمية. كانت مبادرة مجانية عجيبة رضيت بموجبها جميع الدول العربية، حتى تلك التي ليس لها في العير ولا في النفير، الدخول في تطبيع كامل شامل مع إسرائيل، وإعلان انتهاء الصراع، مقابل مجرد انسحاب قوات الاحتلال إلى حدود 4 حزيران (يونيو) 1967.
فهل هناك اليوم، إذن، من مسوغات معقولة للقول بأن القادة العرب عازمون -وقادرون- على وضع الرئيس أوباما أمام خيار إما.. وإلا..؟ يرى المصدقون أن ما يفسر هذا التحول الوارد جدا، حسب توقعهم، هو إدراك الدول العربية المنتجة للنفط أن الولايات المتحدة لم تعد زبونها الأساسي، وأن مركز ثقل التجارة النفطية بدأ يتحول نحو آسيا. ولهذا تعتقد هذه الدول أن في وسعها، إذا لم تغير واشنطن سياستها بحيث تصبح 'وسيطا محايدا' فعلا لا شعارا، أن تعيد توجيه علاقاتها نحو قوى أخرى مثل تركيا، بل وحتى إيران!
وسواء كان هذا السيناريو واقعيا أم رغائبيا، فإن الثابت أن التفكير الاستراتيجي في واشنطن بدأ في إقصاء منطقة الخليج العربي من معادلة أمن الطاقة الأمريكي، نظرا إلى أنه صار في حكم المؤكد أن الولايات المتحدة سوف تكون قادرة على الاستغناء عن النفط العربي -بل إنها سوف تصبح هي ذاتها من كبريات الدول المصدرة للطاقة- في غضون أعوام قليلة. فلا أساس، في ظل مثل هذه التطورات الاستراتيجية، للقول بإمكان تزايد الضغوط العربية على واشنطن. بل قد يكون العكس هو الصحيح.
أما نظرية تحرر الرئيس الأمريكي أثناء الولاية الثانية من إرغامات الولاية الأولى، فهي مجرد أوهام. ذلك أن قواعد اللعبة السياسية في الولايات المتحدة جامدة منذ عشرات السنين، وأن قضية الشراكة مع إسرائيل ليست من مسائل السياسة الخارجية (التي يبقى فيها مجال للتغيير أو الحياد) بل إنها مكون أساسي في صلب السياسة الداخلية الأمريكية. ولكن السبب في ذلك ليس الثقل الانتخابي لليهود الأمريكيين، بل السطوة السياسية والمالية للوبي 'الأيباك' الليكودي الهوى. أي أن إسرائيل ليست مسألة أمريكية داخلية بالمعنى السوسيولوجي بل بالمعنى الإيديولوجي.
ولو كان الأمر خلاف ذلك لربما صحت نظرية تحرر الرئيس، خصوصا أن ولاية أوباما الأولى قد تزامنت مع بروز لوبي 'جي ستريت' اليهودي الليبرالي المنافس للأيباك، وخصوصا أن أوباما حصل على نسبة 74 بالمائة من أصوات اليهود عام 2008 و70 بالمائة هذا العام، وأن 82 من اليهود يؤيدون حل الدولتين وأن 76 بالمائة يريدون من أوباما فرض خطة للتسوية السلمية.

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع


صوت وصورة

Hijri Date

السبت 8 ربيع الأوّل 1440

السبت 17 تشرين2/نوفمبر 2018

Salaat Times

أحوال الطقس Weather

 
Go to top